‫الرئيسية‬ وداد شختورة وداد شختورة: الأحلام الواقعيـة
وداد شختورة - 11/04/2010

وداد شختورة: الأحلام الواقعيـة

في تكريمها من قبل التجمع النسائي الديموقراطي، وُضعت وداد شختورة، الانسانة والتربوية والنقابية والمناضلة من اجل حقوق المرأة، تحت الضوء. من يعرفها من رفاق الدرب يدرك جيدا انها لا تحب حفلات التكريم، ولم تتحول يوما “حالة اعلامية”.

غير ان من عايشها واحبها يشعر بان من اقل الامور ان تكرم تلك السيدة التي بقيت حتى آخر لحظة من حياتها، رغم مرضها المفاجئ، صلبة ومتماسكة، لا تتكلم عن نفسها انما عن رؤيتها الى كيفية اكمال العمل من اجل تقدم اوضاع المرأة في لبنان. فعلى فراش الموت كانت تقول “انا لست مهمة، المهم هو اكمال المسيرة”. والمسيرة تقضي بالعمل الحثيث لتعديل قوانين الاحوال الشخصية، فوداد شختورة كانت تؤمن بان تحرر المرأة يبدأ من الحيز الخاص.

“لا تستسلمي للعنف، اخرقي جدار الصمت” شعار لحملة التجمع النسائي الديموقراطي، من ضمن شعارات وملصقات اخرى معلقة في بهو قاعة الاجتماعات، اضيفت اليها اليوم صورة لوداد شختورة مبتسمة. وداد التي أسست هذا التجمع، وغيّبها الموت في تشرين الثاني الماضي، لا زالت حاضرة في اعمالها وفي ضمير من عايشها. وعلى رغم ان غيابها لا يعوض، وفق القيمين على التجمع، يبدو ان حال تضامن كبيرة يعيشها المنضوون تحت لوائه، وهناك اصرار على اكمال المسيرة والمضي قدما في هذا الخط “حتى نحافظ على خطاب علماني ديموقراطي وان لا نتراجع الى ما هو سائد”، “كانت وداد نقطة ثقة وتوازن في التجمع ناتجة عن خبرة”، “نعتقد اننا نحتاج الى وقت حتى يبني التجمع شخصا بمواصفات وداد”. فمن هي وداد شختورة؟

ولدت في 8 آذار 1937. وكان اصدقاؤها يحتفلون لها بعيد ميلادها بالقول “عيدك 3 بواحد”، فهو يصادف ايضا عيد المعلم، وفيه اصبح يحتفل بيوم المرأة العالمي. ميادين عدة تقاسمت وداد العمل فيها، ربط بينها الشغف بالعمل على تحقيق العدالة وحقوق الانسان، فمن التعليم الى العمل النقابي والحزبي ثم العمل من اجل قضايا المرأة. ما تميزت به في سلوكياتها العامة، يقول من عايشها وتعامل معها من الحركة النسائية، هو تواضعها الشديد وقدرتها على اتخاذ المواقف واحساسها بالآخرين. وما يميز شخصيتها انها امرأة اشتراكية يسارية منحازة الى قضايا العمال والمهمشين. بهذا المعنى ظلت هذه النفحة الانسانية مسيطرة في كل نواحي عملها. وما يميزها ايضا انها من القلائل في الجمعيات التي نشأت قبل الحرب شجعت الصبايا والشباب واعطتهم حيزا واسعا من الحركة. دخلت الى اليسار من باب وعيها للقضايا الانسانية واحساسها المرهف، وهي ابنة عائلة “مرتاحة” تعلم ابناؤها وبنى اغلبهم مستقبلهم خارج لبنان. وداد شختورة لم تكن تتكلم عن نفسها وعندما كانت تسأل عن احوالها كانت تقول “ما تعتلو همي انا مأمني حالي”.

“حالة ميدانية”

تقاعدت وداد في العام 2005 من التعليم. ولكنها زادت وتيرة عملها في الحركة النسائية. كانت تقول “كسبت ساعة واحدة بعد التقاعد، فبدل ان اسرع في الخروج صباحا من المنزل الى المدرسة اصبح في امكاني ان اتأخر ساعة اضافية قبل ان اتوجه الى التجمع”.

كانت تؤمن ببناء الكادرات ولم تكن تعمل لتبرز هي. وما يميزها، وفق العاملين معها في التجمع، انها لم تكن الشخص الوحيد البارز فيه. وقد بذلت جهدا لبناء قيادات، واعطت ادوارا “وكنا من اكثر الجمعيات التي لديها وجوه ناشطة في الحركة النسائية”. لم تكن تحب البروز وتهرب من التكريم، فكانت دائما تعتبر ان التكريم هو بتحقيق الانجازات. كانت الانا غائبة لديها ولم تتحدث يوما عن حالها او عن حياتها الخاصة.”علمتنا ان نعمل على ابراز الـ “نحن” بدل الـ “انا”. واعطاء مساحة اكبر للحيز العام على الحيز الخاص”. هكذا لم تتحول وداد شختورة نجمة من نجوم الشاشات او سيدة صالونات، ولم يصبها جنون العظمة بل ظلت تتنقل بين المناطق لاحياء ورشات التدريب والتحدث عن قضايا المراة المحقة كانت تعمل على الارض، ولم تكن “حالة اعلامية” انما “حالة ميدانية” تشهد لها النساء والمعلمون في بقع مختلفة من لبنان.

مثاليتها واقعية

يصفها من يعرفها بأنها حقيقية من دون تصنع ومتواضعة من دون مبالغة. المنطق غالب لديها. كيف لا وهي مدرسة الرياضيات، فكانت تبتعد عن التنظير وتتعاطى مع الوقائع بمنطق. هكذا حكم المنطق نهج حياتها من التعليم الى العمل النقابي حيث كانت الارقام والوقائع تشير الى غبن لاحق بطبقة المدرسين، الى العمل المدني حيث المعطيات ايضا تشير الى غبن لاحق بالمرأة. مثاليتها واقعية اذ كانت تعتبر ان المثالية قد تقود الى الخيبة اما المنهجية الواقعية التي تستلهم المثل العليا فهي الطريق الصحيح الى تحقيق النجاح. وقد ادركت انها عبر التعليم هي لا تتعاطى مع ملفات جامدة او مادة جافة فقط انما تتعامل مع اناس سيكون لها بصمة في التاثير عليهم. كانت قابلة للتنوع وتعدد الآراء وكانت ايضا قادرة على التعبير عن موقفها من دون مساومة ومن دون عدائية او معاداة. وكان هدوءها يخفي القدرة على الحسم. كانت امراة صلبة ولينة في الوقت عينه. تستمع وتناقش وتتقبل الرأي الآخر ولكنها قادرة على الحسم. كانت تجمع مواصفات صعب جمعها تشعرين بحنيتها ودفئها حتى لو كانت قاسية معك. و في العلاقة اليومية معها تشعرك وداد بانها تريد لجميع العاملين معها ان يطوروا قدراتهم ويستفيدوا من فرص التقدم. يقول من عايشها في التجمع انها “ساهمت في تشكيل وعينا وتفكيرنا وكانت تعمل معنا على بناء منطقنا وحججنا حتى نستطيع ان ندافع عن قضايانا. وكانت تركز في عملها معنا على بناء فكرنا النقدي.”

نحو حركة اجتماعية مطلبية

وما يميز وداد عن غيرها في الحركة النسائية هو خلفيتها النقابية والعمل النقابي والمطلبي. فعندها ان الحركة النسائية لن تحقق مكتسبات ما لم تتحول حركة مطلبية ضاغطة. وهذه الحركة يجب ان تضم نساء من الفئات كافة، حتى يكون لديهن القدرة على الضغط على صناع القرار لإحداث التغيير. فالحركة النسائية لا يجب ان تكون نخبوية. آمنت بالتعدد والتنوع والهامش الحر للحركة، الا انها كانت تعتبر ان تحقيق المكتسبات لن يتم ما لم تتوحد المطالب وان تعددت النشاطات. اعتبرت ان تحقيق المساواة ما بين الجنسين يجب ان يمر حتما بالنهوض بأوضاع النساء الفقيرات المهمشات والمتوسطات الحال، اذ ان النخب لا تُحدث الفرق في العمل المطلبي. كانت امرأة ناشطة سياسيا، مكّنتها رؤيتها السياسية من ربط المشكلات ضمن الحركة النسائية بالسياق العام السياسي، لذا كانت تعتبر ان مشكلة المرأة في لبنان مرتبطة في شكل اساسي بتعديل قوانين الاحوال الشخصية الذي يصطدم بالنظام الطائفي. كما ان النساء لا يمكنهن ان يخرقن النظام من دون حراك ديموقراطي. وما ميّزها عمق تحليلها للمشكلات الاجتماعية بطريقة مرتبطة بالوضع العام.

ما اسهم في تطوير فكر وآلية عمل شختورة تمرسها في العمل النقابي الذي اتى بها الى العمل الحزبي في منظمة العمل الشيوعي ومنه انطلقت الى العمل النسائي.

أحلام واقعية

وداد شختورة الحزبية كانت تعرف كيف ترسم الخط الفاصل ما بين انتمائها الحزبي وعملها العام الذي اتخذ اكثر من وجه للالتزام واكثر من اطار تفاعلي. فكانت في مواقع العمل الديموقراطي والنسائي تطرح الاشكاليات بنفس سياسي، ولكن من دون ان تتكلم بمصلحة فئوية للحزب الذي تنتمي اليه. كانت من موقعها السياسي تطرح مشكلات المعلمين والنساء والفئات الاجتماعية الاخرى وفق مصالح هذه الفئات ووفق رؤيتها السياسية للحل وليس وفق رؤية الحزب. كانت تتميز برؤيتها السياسية دون فئوية ومصلحة حزبية. مَن تعرف الى وداد ادرك جيدا انها صاحبة احلام كبيرة “فبقدر نقاشنا معها كنا نستشف  انها صاحبة حلم واقعي وقابل للتحقيق”. وكانت تؤمن بان ما من مستحيل في حال عرفت الحركة النسائية ان تراكم جهودها وتستثمرها في الاتجاه الصحيح، لذا عندما بادرت الى اطلاق الشبكة النسائية كانت تهدف الى التشديد على فكرة انه” كلّما استطعنا ان نراكم سويا انجازات سنتمكن من بناء الحركة النسائية كحركة اجتماعية قادرة على التغيير.”

مسار حياة

لم تكن شختورة تحب الفشل، ولا حتى استعمال هذه المفردة في التعبير ففي عقلها انه ليس من تجربة فاشلة انما هناك مساع غير ناجحة. وكانت تنظر بايجابية الى الامور، فالشبكة النسائية التي عملت على تشكيلها اعتبرتها مجالا لتطوير النقاش والرؤية. لم تكن تذكر كلمة فشل انما عدم نجاح. وكانت تردد صحيح اننا لم نستطع الى الآن تغيير القوانين المجحفة بحق المرأة، انما استطعنا ان نغير اتجاهات الناس وأن نزيد من وعيهم. وكانت ترد عدم النجاح الى المأزق السياسي الذي يمر فيه البلد. فعندها ان النظام الطائفي لا يمكن ان يقدم انجازات للنساء. كانت لديها طاقة وايمان، ولكنها لم تتوهم التغيير. اما تقويم العمل، فهو من اكثر الامور التي تهمها وقد اعتمدت هذا المنهج في تقويم عمل التجمع النسائي الديموقراطي”. ولم تكن تفكر ان التقويم امر يجب ان نقوم به نحن في التجمع، انما كيف يقومنا الآخرون. وكان هناك تقويم خارجي دائما لعملنا. وهكذا كنا نستند الى التقويم المستمر حتى نتمكن من رصد الفرص المتاحة لنا للعمل والتركيز على الدروس المستفادة وتطوير نقاط القوة في الاتجاه الصحيح”.

حتى آخر لحظة من حياتها كانت تأمل بانها ستعود الى العمل. واجهت الموت بعقلانية وكبر، على ما يقول من رافقها في ايامها الأخيرة. “حتى في أكثر لحظات حياتها صعوبة تقبلت مرضها”. كنا نشعر اننا متضايقين ومقهورين ولكننا لم نشعر بأنها ضعيفة. هي رسمت مسار حياتها وتقبلته، وان لم تكن قررت المرض انما واجهته بقوة ومن دون استسلام”. غير ان آخر ما كانت تتكلم عنه هو ضرورة الاستمرار في النضال من أجل اقرار قانون مدني للاحوال الشخصية.

‫‫ شاركها‬

‎تابع جديدنا

‎إشترك في القائمة البريدية سيصلك كل جديد

‎كن متابعاً أولاً بأول، خطوة بسيطة وتكون ممن يطلعون على الخبر في بداية ظهورة، اشترك الآن في القائمة البريدية

‎لا تقلق ، نحن لا البريد المزعج

‫شاهد أيضًا‬

حملة الـ16 يوماً لمناهضة العنف ضد النساء في ظل ثورة 17 تشرين

د.كارولين سكر صليبي تزامناً مع حملة الـ16 يوماً لمناهضة العنف ضد النساء الممتدة من اليوم ا…